صديق الحسيني القنوجي البخاري
241
أبجد العلوم
ومن أهم ما يجب على طالب العلم تصوره عند الشروع ، بل في كل وقت أن يقرر عند نفسه أن هذا العمل هو تحصيل العلم بما شرعه اللّه لعباده ، والمعرفة لما تعبدهم به في محكم كتابه وعلى لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلم . وإن هذا المطلب هو سبب تحصيله ، وذلك سبب الظفر بما عند اللّه من خير . ومثل هذا لا مدخل فيه لعصبية ولا مجال عنده لحمية ، بل هو شيء تعبّدهم اللّه به ليس لواحد أن يدعي أنه غير متعبّد به ، فضلا أن يرتقي إلى درجة تكليف عباد اللّه بما يصدر عنه من الرأي ، فإن هذا أمر لم يكن إلا للّه سبحانه لا لغيره كائنا من كان . ولا ينافي هذا وقوع الخلاف بين أئمة الأصول في إثبات اجتهاد الأنبياء ونفيه ، فإن الخلاف لفظي عند من أنصف وحقق . وأهم ما يحصل لك أن تكون منصفا غير متعصب في شيء من هذه الشريعة ، فلا تمحق بركتها بالتعصب لعالم من علماء الإسلام بأن تجعل رأيه واجتهاده حجة عليك وعلى سائر العباد ، فإنه وإن فضلك بنوع من العلم وفاق عليك بمدرك من الفهم فهو لم يخرج بذلك عن كونه محكوما عليه متعبّدا بما أنت متعبّد به ، بل الواجب عليك أن تعترف له بالسبق وعلو الدرجة اللائقة به في العلم ، معتقدا أن ذلك هو الذي لا يجب عليه غيره ولا يلزمه سواه . وليس لك أن تعتقد أن صوابه صواب لك أو خطأه خطأ عليك ، بل عليك بالاجتهاد والجد حتى تبلغ إلى ما بلغ إليه من أخذ الأحكام الشرعية من ذلك المعدن الذي لا معدن سواه والموطن الذي هو أول الفكر وآخر العمل ، فإذا وطّنت نفسك على الإنصاف وعدم التعصب لمذهب من المذهب ولا لعالم من العلماء فقد فزت بأعظم فوائد العلم وربحت بأنفس فرائده . ومن عرف الفنون وأهلها معرفة صحيحة لم يبق عنده شك أن اشتغال أهل الحديث بفنهم لا يساويه اشتغال سائر أهل الفنون بفنونهم ولا يقاربه ، بل لا يعد بالنسبة إليه كثير شيء . وإن إنصاف الرجل لا يتم حتى يأخذ كلّ فنّ عن أهله كائنا ما كان . وأما إذا أخذ العلم من غير أهله ، ورجح ما يجده من الكلام لأهل العلم في فنون ليسوا من أهلها ، وأعرض عن كلام أهلها ، فإنه يخبط ويخلط ويأتي من الأقوال والترجيحات بما هو في أبعد درجات الإتقان ، وهو حقيق بذلك ، وفي علماء المذاهب الأربعة من هو أوسع علما وأعلى قدرا من إمامه الذي ينتمي إليه ويقف عند رأيه ، ويقتدي بما قاله في عبادته ومعاملته ، وفي فتاواه وقضائه ، ويسري ذلك إلى مصنفاته فيرجح فيها ما يرجحه إمامه وإن كان دليله ضعيفا أو موضوعا أو لا دليل بيده أصلا بل مجرد محض الرأي ، ويدفع من الأدلة المخالفة له ما هو أوضح من شمس النهار تارة بالتأويل المتعسف وحينا بالزور الملفّف وبالجملة ، فما صنع هذا لنفسه بذلك التصنيف إلا ما هو خزي له في الدنيا والآخرة ، ووبال عليه في الآجلة والعاجلة .